image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

مأزق الإعلام الغربي أمام زيف السردية الصهيونية

الصورة المخزية والقبيحة التي ظهر بها وعليها الكيان الصهيوني في حربه الأطلسية على الشعب الفلسطيني تؤكد أن هذا الكيان نمرٌ ورقيٌ متعدد الأغراض، أسّسه ونفخ فيه «الغرب الاستعماري الصليبي الرأسمالي»، وحاول أن يصنع له اسماً وهوية ومقعداً في الأمم المتحدة. كان الغرب يرمي إلى تحقيق أهداف عدة من وراء إيجاد هذا النمر الورقي، أحدها أن يكون فزّاعة يخيف ويضرب بها الدول والشعوب التي تتململ وتحاول أن تخرج من السياق الذي رسمه المستعمر الغربي لضحاياه في الأمس من الدول والشعوب التي تتجرأ على الخروج من عباءته.

إسرائيل هي الناتو، مع اختلاف المستهدفين، فالناتو الأطلسي يستهدف روسيا والتوسع بضم الدول المتاخمة لروسيا وزعزعة الأمن في الدول الصديقة لروسيا بهدف زعزعة استقرار روسيا ونزع قدراتها، أما الناتو الآخر فهو إسرائيل مع اختلاف الحلفين وأهدافهما وسرديتيهما المعلنة.



الناتو الإسرائيلي تدفع الولايات المتحدة رواتب سكانه كقاعدة عسكرية دفاعية وهجومية متقدمة. هذا الناتو الإسرائيلي لا يستهدف روسيا وإنما مناط به تحقيق أهداف إمبريالية غربية أخرى. أولاً: لتثبيت الخطوط الحمراء والمسافة الثقافية العنصرية الكافية بين المستعمِرين والمستعمَرين. ثانياً: الحفاظ على الخطوط الحمراء والمسافة الأمنية الكافية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. ثالثاً: تقويض الأمن والاقتصاد والاستقرار، وزراعة الفوضى، واستنبات الفساد، وتمكين تجارة البشر والمخدرات من مفاصل الدولة العربية والأفريقية. رابعاً: ضرب أي تقارب بين قوى ودول إقليمية مع قوى عالمية مثل الصين وروسيا، والإبقاء على رابطة التبعية الثقافية بين الدول المستعمِرة والدول المستعمَرة.



فكرة ناتو «إسرائيل» لا تتناقض مع سردية الغرب من وراء تأسيس هذا الغرب «دولة» إسرائيل في فلسطين، التي أراد من خلالها طرد اليهود والتخلص منهم نتيجة لأفعالهم التي عانت منها المجتمعات الأوروبية حسبما تذكر كتب التاريخ الأوروبي، والتكفير عن «عقدة الذنب» المنافقة لدى الغرب، فرمى بهذه الكائنات في فلسطين تحديداً لاعتبارات إستراتيجية وللرمزية التاريخية للصراعات الدينية والحروب الصليبية، فيتخلص هذا الغرب «البريء» من عقدة الذنب المنافقة.

وبسبب التكاليف الباهظة التي تتكبدها الولايات المتحدة من الإنفاق وتمويل هذين الحلفين العسكريين «ناتو 1» المعلن و«ناتو 2» غير المعلن يضطر الأمريكيون ومعهم الأطلسيون للاستعاضة بنفخ النمرين الورقيين بالإعلام وإعطائهما حجماً أكبر من حجمهما وقدراتهما بكثير. فقبل حرب الكيان على غزة وقبل حرب الغرب على روسيا كانت قوة إسرائيل (الناتو الخفي) جبارة وقوية ولا تضاهى، حتى مرّغت المقاومة أنوفهم بالوحل ووضعتهم في حجمهم الطبيعي والحقيقي. وكذلك فعل الروس في حربهم مع حلف الأطلسي في أوكرانيا.

ليس من المبالغة أن 80% من قوة إسرائيل وديموقراطية إسرائيل لا توجد إلا في الإعلام الغربي. هذا الإعلام الغربي الذي وظف انتشاره وقوته ليقدم إسرائيل كأقوى جيش في المنطقة، بل وصورها بأنها الديموقراطية الوحيدة في المنطقة. والحقيقة أن جيش إسرائيل مهنياً وأخلاقياً لا يمكن بأي مقياس أن يصنف سوى بمجموعات من المرتزقة ومصاصي الدماء، أما الديموقراطية وحقوق الإنسان فتكفي إبادتهم لأسراهم سواء كان ذلك بدافع الرعب والخوف وعدم المهنية أو بسبب سوء أخلاقهم وانحطاط قيمهم.

المضحك حتى المسخرة هو الإعلام الغربي، خاصة الإعلام الأمريكي، الذي وجد نفسه يعرض الصورتين الأمريكيتين المتناقضتين: أمريكا التي تمول وتشرف على القتل الجماعي والإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الأطفال والنساء في غزة، جنباً إلى جنب نظام الأبارتايد الصهيوني في فلسطين، والصورة التي تقدم المساعدات من الجو. كيف يمكن للإعلام الأمريكي أن يمسح العار عن نفسه بعد تكشف ضلوعه وتورطه مع حكومته في حرب إبادة الأطفال والنساء في غزة؟ كيف للإعلام الأمريكي أن يقدم نفسه بعد تورطه بإخفاء الحقائق طول عقود الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين؟ كيف يسوغ الإعلام الأمريكي للرأي العام الأمريكي التضليل الذي مارسه كل هذه العقود؟ هل سيستمر هذا الإعلام الأمريكي في محاولاته اليائسة بالتضليل، فيما لو استمرت إسرائيل «الديموقراطية» بحرب جيشها «الذي لا يقهر» بإبادة الأطفال والنساء في غزة والضفة الغربية؟ وكيف سيخرج الإعلام الأمريكي الصورة النهائية لإسرائيل وأمريكا فيما لو توقفت الحرب دون انتصار الغزاة والمرتزقة؟ هل سيتجرأ الإعلام الغربي والنخب السياسية الغربية على الحديث عن حقوق الإنسان والديموقراطية بعد حرب الإبادة والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية؟ إلى متى يصمد الإعلام الصهيوني وشبه الصهيوني في إنعاش الصورة المضللة، ومحاولات إخفاء الحقيقة؟ هل أنهت غزة السردية الغربية الصهيونية للصراع في فلسطين؟ وهل قوضت غزة إمبراطورية الإعلام الصهيوني؟

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق